محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

88

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

المثال يبيّن بوضوح أن الفاعلين الاجتماعيين هم الذين يولّدون النماذج العليا للفكر والممارسة العملية . وهم الذين يقررون كيفية استخدامها ، أو المحافظة عليها ، أو تصفيتها والتخلّي عنها . بمعنى آخر ، ينبغي على الدارس المحلّل أن يتساءل عن الموقع الذي ينبغي أن يتخذه أمام ظواهر تبدو ، ظاهريا ، مستقلة ذاتيا ، كالظاهرة الدينية ، أو الظاهرة السياسية ، أو ظاهرة الحداثة « 1 » . فالحداثة مفهومة ومستخدمة في الغرب من أجل الحطّ من قيمة الفكر والثقافات « التقليدية » أو العتيقة أو « البدائية » . وبالتالي ، فيمكنها أن تصبح عقبة أمام المعرفة النقدية . بل ويوجد تيار لاهوتي في الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو يتوهم أنه يستطيع التحدّث عن « ما بعد الحداثة » ، هذا في حين أن مفهوم الحداثة نفسه غير مبلور بشكل واضح وفعّال على الرغم من أطنان الكتب التي كرست له ! ! . . وأنا إذ أقول ذلك ، فإنّي أنبّه فقط إلى صعوبة مثل هذه المفاهيم ، أو خطورة استخدامها بمناسبة ومن دون مناسبة . كما أنّي أريد الإشارة إلى الظلم الذي لحق بالفكر الإسلامي عندما قارنوه بالحداثة ( أو ما ندعوه كذلك ) . كان اللاهوتيون قد نبّهوا إلى الاختلافات الكائنة بين المسيحية والإسلام . ولكن في ما وراء كل هذه الاختلافات فإن الأكثر حيوية أو إنعاشا للتفكير حول مجتمعات الكتاب المقدّس / الكتاب العادي لا علاقة له باللاهوت ، وإنما يمكن في العلاقة التاريخية التي يتعاطاها كل واحد من هذين الدينين مع العقل الحديث الذي أصبح مهيمنا الآن . وأقصد بذلك أن المسيحية كانت مضطرة لأن تواجه التحديات العلمية والفكرية من أجل أقلمة عقائدها ، أي تعديلها أو إعادة تأويلها ، لكي تصبح متأقلمة مع المكتسبات الراسخة للفكر النقدي ( مكتسبات نهائية لا يمكن التراجع عنها ) . أما الإسلام ، فعلى العكس ، كانت ظروفه مختلفة من الناحية التاريخية . فهو إمّا أنه تجاهل هذه التحديات ( كما فعل بالنسبة للنقد الفيلولوجي والتاريخي ) ، وإما أنه رفض صراحة المكتسبات الايجابية للتبحّر العلمي الاستشراقي ، وذلك عندما ربطه ب « العلم الاستعماري » على طول الخط . وهكذا نجد أننا لم نخرج بعد من إطار إيديولوجيا الكفاح الهادفة إلى التحرّر السياسي . وهي إيديولوجيا ضرورية في وقتها ، ولكن استمراريتها حتى بعد حصول الاستقلال والتحرّر السياسي من الاستعمار لها مخاطرها . فهي تجعلنا نهمل الأولوية الفكرية لتحرير العقليات ، هذا التحرير الذي لا يمكن أن يحصل إلّا عن طريق النقد العلمي للتراث الديني على وجه الخصوص . إن الإسلام لا يستطيع أن يلقي نظرة نقدية على مساره التاريخي وتركيباته العقائدية من دون المرور بالفكر اليهودي ، والمسيحي ، والفكر الغربي الحديث . ينبغي أن نعلم أنه في

--> ( 1 ) انظر كتابنا : 1982 ، . ed e 2 ، Buchet - chastel ، Paris ، demain ، hier ، LIslam ، . pM . Arkoun